أبي منصور الماتريدي

211

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

أحدها : لما رأى فيهما من الضعف في أنفسهما ، والعجز في أبدانهما ، فازدادت شفقته لهما وعطفه عليهما لذلك ، وهذا مما يكون فيما بين الخلق . أو كان ذلك منه لهما لصغرهما ، وهذا - أيضا - معروف في الناس أن الصغار من الأولاد يكونون « 1 » عندهم أحب ، وقلوبهم إليهم أميل ، وعليهم « 2 » أعطف ، ولهم أرحم من الكبار منهم . أو خصهما بذلك لفضل خصوصية كانت لهما إما من جهة الدين ، أو العلم ، أو غيره ، أمره الله بذلك لذلك من دون غيرهما . أو لما بشر يعقوب بنبوة يوسف ، فكان يفضله على سائر أولاده ، ويؤثره عليهم لذلك . وإنما قالوا : لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلى أَبِينا مِنَّا بآثار تظهر عندهم ، وإلا حقيقة المحبة لا تعرف . وقوله - عزّ وجل - : وَنَحْنُ عُصْبَةٌ . قيل : العصبة : الجماعة « 3 » . وقال بعضهم : العصبة من عشرة إلى أربعين « 4 » ، والعصبة : الجماعة ، أي : نحن جماعة ولنا منعة ؛ ولهذا قال أصحابنا : إن التسعة مع الإمام تكون منعة يستوجبون ما تستوجب السرية إذا دخلت دار الحرب ، فغنمت غنائم يخمس منها . وقوله : وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبانا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ . لم يعنوا ضلال الدين ؛ إنما قالوا ذلك - والله أعلم - إنا جماعة تقدر على دفع من يروم الضرر به ، ويقصد قصد الشر بنفسه وماله ، ونحن أولو قوة ، بنا يقوم معاشه وأسبابه ، فكيف يؤثر هؤلاء علينا ؟ ! وكذلك قوله : وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى [ الضحى : 7 ] ، لم يرد به ضلال الدين ، ولكن وجها آخر ، وقالوا ذلك ؛ لما كانت له منافع من أنفسهم لم تكن تلك المنافع من يوسف وأخيه ، وأبدا إنما يؤثر المرء حب من له منافع من قبله ، لا حبّ من لا منفعة له منه ، فهو فيه في ضلال مبين ؛ حيث يؤثر حب من لا منفعة له منه على حب من كانت له منه منافع وأمثاله ، والله أعلم . وقولهم : اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضاً يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ . لا يحتمل أن يكونوا عزموا على قتله ، ولكن على المشاورة فيما بينهم : نفعل ذا أو ذا ؛

--> ( 1 ) في ب : يكون . ( 2 ) في أ : عليه . ( 3 ) ذكره ابن جرير ( 7 / 152 ) ، والبغوي ( 2 / 411 ) . ( 4 ) ذكره البغوي ( 2 / 411 ) ، وأبو حيان في البحر ( 5 / 284 ) .